يا جماعة، أنا "خالد"، عمري 36 سنة، وأشغل منصب مدير تنفيذي في واحدة من أكبر شركات الاستثمار العقاري في الرياض. طبعي حازم جداً، دقيق لدرجة الهوس، وحياتي عبارة عن جداول، أرقام، واجتماعات. مكتبي موجود في الدور الخمسين في برج من أبراج العاصمة، مطل على زحمة الشوارع اللي أحب أراقبها من ورا القزاز وأنا أشرب قهوتي المرة. وصلت لهالمنصب في عمر صغير لأني ما أرحم في الشغل، وما أحب اللف والدوران، واللي يغلط عندي ماله فرصة ثانية.
أما الطرف الثاني في هالقصة فهي سكرتيرتي "سارة". بنت عمرها 25 سنة، توها متخرجة من فترة قريبة. لما وظفتها قبل سنة، اخترتها لأن سيرتها الذاتية كانت ممتازة، وخلال المقابلة كانت هادية جداً، تجاوب على قد السؤال، وما فيها أي نوع من الثرثرة. سارة كانت الموظفة المثالية؛ توصل مكتبي الساعة سبع ونص الصبح، تجهز كل ملفاتي، ترتب مواعيدي بدقة، ومستحيل تطلع من الدوام قبل ما أطلع أنا، حتى لو جلست للساعة تسع بالليل. هدوئها كان يعجبني، بس أحياناً كنت ألاحظ نظراتها.. كانت تطالع في الأوراق اللي على مكتبي بطريقة غريبة، كأنها تصورها بعيونها، بس كنت أتجاهل هالموضوع وأقول إنها مجرد حماس موظفة جديدة.
في ليلة من ليالي الشتاء، كان الجو برا عاصف، والمطر يضرب في قزاز البرج بصوت مكتوم. الساعة تجاوزت الثمان بالليل، والشركة صارت شبه مهجورة. الموظفين طلعوا، الأنوار انطفت في الممرات، وما بقى إلا الإضاءة الخافتة في مكتبي. كنت جالس أراجع تقارير مالية معقدة لصفقة استحواذ ضخمة بنعرضها على مجلس الإدارة الأسبوع الجاي.
قد يعجبك أيضاً: قصة سكس لعبة التحدي مع العائلة في الغرفة
فجأة، انطق باب مكتبي طقتين خفيفة.
رفعت راسي باستغراب، وناديت: "تفضل."
انفتح الباب، ودخلت سارة. بس هالمرة، شكلها كان مختلف. عادتها تلبس ملابس عملية وبسيطة، بس الليلة كانت لابسة بدلة رسمية سوداء أنيقة جداً، وشعرها مرتب بطريقة توحي بالثقة، وماسكة بيدها ملف أحمر جلدي. والأغرب من هذا كله، إنها لما دخلت، لفت وراها وقفلت باب المكتب بالترباس!
عقدت حواجبي، ورميت القلم على الطاولة، وقلت بنبرة فيها شوية حدة: "سارة؟ وش قاعد تسوين؟ ليش قفلتي الباب؟"
مشت بخطوات بطيئة وهادية لين وقفت قدام مكتبي الضخم، سحبت الكرسي الجلدي اللي مخصص لكبار العملاء، وجلست عليه بدون ما أسمح لها. حطت رجل على رجل، وحطت الملف الأحمر على طرف مكتبي، وطالعتني بنظرة باردة جداً، نظرة ما عمري شفتها في عيونها من قبل.
قالت بصوت ثابت وواثق: "أستاذ خالد، أعتذر على المقاطعة في هالوقت المتأخر، بس الموضوع اللي جيت عشانه ما يحتمل التأجيل، وما ينفع يُناقش والباب مفتوح."
جلست أطالعها لثواني وأنا أحاول أستوعب جرأتها. أنا المدير التنفيذي اللي الموظفين يرجفون وهم يكلمونه، وهذي السكرتيرة اللي عمرها 25 سنة جاية تقفل باب مكتبي وتجلس بدون إذن!
تراجعت بظهري على الكرسي وشبكت أصابعي، وقلت بنبرة استهزاء: "طيب يا سارة، تفضلي أتحفيني.. وش الموضوع اللي يخليك تتجاوزين كل الخطوط الحمراء في التعامل معي؟"
ابتسمت ابتسامة خفيفة، ابتسامة ما وصلت لعيونها، وقالت: "الموضوع يخص قسم العمليات. منصب 'مدير إدارة العمليات' صار شاغر من أسبوعين بعد استقالة الأستاذ طارق. أنا جاية اليوم عشان أبلغك إني أبغى هالمنصب، وأتوقع منك ترفع قرار ترقيتي لمجلس الإدارة بكرة الصباح."
سكتت لثانية، وبعدها انفجرت ضاحك. ضحكت بصوت عالي تردد في المكتب الواسع، مسحت دموع وهمية من عيني وقلت: "سارة، إنتي تمزحين صح؟ منصب مدير إدارة العمليات؟ هالمنصب يتطلب خبرة لا تقل عن عشر أو خمسطعشر سنة، يتطلب شهادات عليا، وقيادة لفريق فيه أكثر من خمسين موظف. إنتي سكرتيرة، خبرتك في السوق ما تتجاوز السنتين، تبين تنطين من ترتيب المواعيد وطباعة الأوراق لإدارة قسم كامل في ليلة وضحاها؟ اطلعي برا مكتبي يا سارة، وبكرة الصباح جهزي أوراق استقالتك لأن تجاوزك لمديرك بهالشكل يعني نهايتك في هالشركة."
توقعت إنها تتوتر، تبكي، أو تعتذر وتطلع تركض. بس اللي صار كان العكس تماماً.
قد يعجبك أيضاً: قصة سكس سعودية الأخ يقرأ قصة نوم لأخته
سارة ما رمشت حتى. مدت يدها بهدوء، وفتحت الملف الأحمر اللي جابته معها، وطلعت منه مجموعة أوراق وصور ودفعتها باتجاهي على المكتب.
قالت بنبرة جليدية: "اقرأ هالأوراق يا أستاذ خالد، وبعدها نقرر مين اللي بيقدم استقالته بكرة الصباح."
سحبت الأوراق باستخفاف، بس أول ما طاحت عيني على الترويسة في الصفحة الأولى، الدم تجمد في عروقي. حسيت ببرودة المكيف تضرب في عظامي فجأة. الأوراق كانت عبارة عن كشوفات بنكية سرية جداً، مراسلات مشفرة، وعقود غير مسجلة رسمياً.
هذي كانت تفاصيل "مشروع الرمال".. مشروع ضخم جداً رفضته الشركة قبل ست شهور بحجة إنه غير مربح بناءً على تقرير أنا كتبته وقدمته لمجلس الإدارة. بس الحقيقة اللي ما حد يعرفها غيري، إني تعمدت أفشل المشروع في الشركة، عشان أمرره لشركة مقاولات صغيرة مسجلة باسم ولد خالي، ونفذنا المشروع وأخذنا أرباح خيالية من ورا ظهر مجلس الإدارة!
رفعت عيني من الأوراق، وطالعت سارة وأنا أحس أنفاسي بدت تسرع. قلت بصوت حاولت أخليه متماسك بس كان يرجف: "من.. من وين جبتي هالأوراق؟ هذي أوراق مزورة! إنتي تدرين إن تهمة التزوير والابتزاز عقوبتها السجن؟"
سارة رجعت ظهرها للكرسي براحة تامة، وقالت: "أستاذ خالد، أنا ما أشتغل سكرتيرة عشان أطبع لك أوراق بس. أنا تخرجت بمرتبة الشرف الأولى في تحليل البيانات وأمن المعلومات. طول السنة اللي فاتت، كنت أراقبك. إنت ذكي جداً، بس مشكلتك إنك تعتمد على شبكة الشركة الداخلية في مراسلاتك الخاصة. الأوراق هذي أصلية، وموثقة بالتواريخ والأرقام والحوالات اللي طلعت من حساب الشركة لحساب شركة ولد خالك، وبعدها تحولت لحسابك السري في البنك الخارجي."
ضربت بيدي على المكتب بقوة ووقفت على حيلي، صرخت بوجهها: "إنتي تلعبين بالنار يا سارة! أقدر أمحيك من الوجود، أقدر أدمر مستقبلك المهني وأخليك ما تتوظفين حتى في بقالة! جيبي الملف هذا واطلعي برا الحين!"
سارة وقفت بهدوء، وقابلت غضبي ببرود قاتل. حطت يدينها على حافة المكتب وقربت وجهها مني، وقالت بصوت واطي ومركز: "الصراخ ما بيفيدك يا خالد. الملف اللي قدامك هذا مجرد نسخة. النسخة الأصلية، مع كل الأدلة الرقمية، والإيميلات، وتسجيلات صوتية لمكالماتك، موجودة في فلاش درايف، ومبرمجة في نظام إرسال تلقائي. إذا ما دخلت الرمز السري من جهازي الشخصي كل أربع وعشرين ساعة، النظام بيرسل كل هالوثائق مباشرة لرئيس مجلس الإدارة، لهيئة مكافحة الفساد، وللصحافة الاقتصادية."
سكتت شوي عشان تخليني أستوعب الكارثة، وبعدين كملت: "إذا دمرت مستقبلي، أنا بدمر حياتك كلها. بتخسر منصبك، سمعتك، ملايينك، ومكانك بيكون ورا القضبان. إنت الحين في موقفي، وأنا اللي أتحكم في قواعد اللعبة."
جلست على الكرسي ببطء. حسيت وزني صار طن، ركبي ما عادت تشيلني. الغرفة اللي كانت تمثل لي القوة والسيطرة، صارت فجأة مثل زنزانة ضيقة، وهالبنت الصغيرة اللي كنت أستصغر دورها، تحولت لوحش كاسر حطني في الزاوية بدون أي مخرج. عقلي كان يشتغل بسرعة جنونية يحاول يلقى ثغرة، حل، أي طريقة للهروب، بس كلامها كان محكم. خطتها كانت مثالية.
مسحت العرق اللي بدأ يتجمع على جبهتي، وطالعتها بنظرة مهزومة. قلت بصوت خافت: "وش اللي تبينه بالضبط؟ فلوس؟ أعطيك اللي تبين.. نعطيك نسبة من الأرباح وتستقيلين وتختفين من حياتي."
ضحكت سارة باستهزاء، لفت وراها وتمشت في المكتب بثقة، تطالع اللوحات المعلقة على الجدران. "الفلوس تجي وتروح يا خالد. أنا طموحي أكبر من شيك أصرفه وأسكت. أنا أبغى السلطة، أبغى المنصب، أبغى أكون في دائرة اتخاذ القرار. قسم العمليات هو البداية بس."
لفت وواجهتني، وكملت بصيغة أوامر حاسمة: "بكرة الصباح، الساعة تسع بالضبط، ترسل إيميل رسمي لمجلس الإدارة، ترشحني فيه لإدارة قسم العمليات. تكتب في الإيميل إنك اكتشفت فيني قدرات قيادية استثنائية، وإني الأنسب لإدارة الأزمات الحالية في القسم. راتبي بيتعدل ليكون نفس راتب الأستاذ طارق، زائد البدلات. ومكتبي بيكون في الدور التاسع والأربعين، تحتي مباشرة."
قلت وأنا أحاول أحتفظ بآخر ذرة من كبريائي: "مجلس الإدارة ما راح يوافق بهالسهولة، بيقولون عنك صغيرة وما عندك خبرة كافية، وأنا ما أقدر أفرضك عليهم بالقوة."
ردت بسرعة وحزم: "هذي مشكلتك مو مشكلتي. إنت معروف بأسلوبك الإقناعي وسيطرتك على قرارات المجلس. استخدم سحرك، استخدم نفوذك، دبّرها بأي طريقة. المهم، يوم الأحد الجاي، أبغى أشوف اسمي على باب مكتب مدير العمليات، وأبغى القرار يكون موقع وجاهز. غير كذا.. شاشات مجلس الإدارة بتعرض فيلم وثائقي عن مشروع الرمال."
الهدوء رجع سيطر على المكتب. صوت المطر برا كان أقوى من قبل. طالعت في عيون سارة، شفت فيها تصميم وإرادة تخوف. هذي البنت ما عندها أي مانع تحرق الأخضر واليابس لو رفضت طلبها. أدركت في ذيك اللحظة إني خسرت المعركة، وإن الغرور اللي عماني خلاني أتجاهل الثعابين اللي تكبر تحت مكتبي.
أخذت نفس عميق جداً، شبكت يديني على الطاولة، وهزيت راسي ببطء شديد. قلت بصوت يملأه الاستسلام الممزوج بالاستياء: "موافق.. بكرة الصباح بيكون الإيميل جاهز، ويوم الأحد بتستلمين مكتبك الجديد."
سارة ابتسمت، وهالمرة كانت ابتسامة انتصار واضحة. سحبت الملف الأحمر من على المكتب بكل هدوء. مشت باتجاه الباب، مدت يدها وفتحت الترباس. وقبل ما تطلع، التفتت لي وقالت بنبرة فيها تحدي وسخرية:
"كنت متأكدة إننا بنوصل لاتفاق يرضي الطرفين. يعطيك العافية أستاذ خالد.. أوه، أقصد، زميلي خالد. لا تنسى، قهوتك بكرة الصباح بتطلبها بنفسك، لأن مديرتك الجديدة بتكون مشغولة جداً بتجهيز مكاتبها."
طلعت وقفت الباب وراها بهدوء.
جلست لحالي في المكتب الواسع، أطالع الباب المقفول. الهدوء كان قاتل، والظلام في الخارج يعكس السواد اللي صار يحاوط مستقبلي. أنا، المدير التنفيذي اللي الكل يحسب له ألف حساب، صرت مجرد أداة في يد بنت عمرها 25 سنة، تلعب فيني مثل قطعة الشطرنج. ومن ذيك الليلة، عرفت إن اللعبة في هالعالم مو للمنصب ولا للعمر.. اللعبة دايماً للي يملك المعلومة، واللي يجرأ يستخدمها في الوقت الصح. وكل ما أمر من جنب مكتب إدارة العمليات وأشوف اسمها يلمع على الباب، أتذكر الليلة اللي انقلبت فيها الموازين، والدرس القاسي اللي تعلمته في عز جبروتي.
